السيد محمد حسين الطهراني
51
معرفة الإمام
--> من عمل حسن لك . إن طلحة والزبير آمنا برسول الله وجاهدا ، ولكن لو خالفا ونكثا البيعة ، وقاما حبّاً للجاه والمنصب والتأمّر مع معرفتهما التامّة لأمير المؤمنين عليه السلام ، فهل يتركا ، ولا يعاقبا وإن جمعا اثني عشر ألف مسلم وأتيا بهم إلى البصرة للقتل ؟ هل يبقى عملهما بلا عقوبة ؟ إنّ جزاء قتل المسلم هو القصاص والخلود في جهنّم . أليس جزاء تعريض أكثر الناس للقتل الخلود في جهنّم ؟ فكيف إذا كان ذلك بغياً وإشهاراً للسيف بوجه إمام زمانهم وحجّة دهرهم ؟ وذلك هو في حكم محاربة رسول الله ، بل محاربة الله ذاته ! وهنا يكمن دليل الشيعة ومنطقهم ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ وَأنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ . ( الآية 182 ، من السورة 3 : آل عمران ؛ والآية 51 ، من السورة 8 : الأنفال ) . وأمّا عائشة بما حملته من حقد وضغن على أمير المؤمنين ، والزهراء عليهما السلام خاصّة ، فإنّها لو تحرّكت من الحرم النبويّ قائدة للجيش ، وركبت ناقتها متوجّهة من المدينة ومكّة إلى البصرة ، وعرّضت اثنى عشر ألفاً من الناس للقتل ، فهل تستحقّ الجنّة ومجاورة رسول الله والنوم معه ؟ وتلك هي عائشة التي لم تتب من عملها ، وكانت تتحسّر حتى آخر عمرها على وصول الخلافة إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، وفرحت عندما سمعت باستشهاده . وتلك هي عائشة التي فعلت مع بضعة الرسول ما فعلت ، وسُرّت بموتها ، ولم تحضر عزاءها متمارضة كما نطق بذلك التأريخ الصحيح . وتلك هي عائشة التي شوّشت تأريخ الإسلام وقلبته ، فهل تدخل الجنّة يوم القيامة ؟ وتتّكي مع رسول الله على سرير واحد ؟ وتظهر هناك عداوتها للزهراء أيضاً ، وتقول : أنا حبيبة رسول الله ، لا آذن للحسن أن يدخل بيت رسول الله كما لا آذن بدفنه عند جدّه في الدنيا ؟ ! وهنا ينبغي لقرّائنا الكرام من أهل السنّة أن يعيدوا النظر في عقائدهم عاجلًا ، ولا يشيّدوا الدين القائم على العقل والمنطق على عواطفهم وأوهامهم . وعلى ضوء عقيدة العامّة ورواياتهم ، نزلت آيات الإفك ( تهمة الزنا ) في عائشة فحسب . أمّا عند الشيعة ، فقد نزلت في مارية القبطيّة . وفي كلتا الطائفتين من الروايات إشكال ذكره العلّامة الطباطبائيّ قدّس الله سرّه في تفسير « الميزان » ج 15 ، ص 104 إلى 116 عند تفسير آيات الإفك . وهب أنّ آية الإفك نزلت في عائشة . فلا تدلّ على شرف وميزة لها ، بل تدلّ على أنّه لا يجوز للمسلمين أن يقذفوا أحداً بالزنا . ومن الثابت أنّ الشيعة ينزّهون ساحة أزواج النبيّ صلى الله عليه وآله عن مثل هذه الفواحش ، سواء كانت عائشة أم غيرها . بل يطهّرون ساحة أزواج الأنبياء جميعهم من لوث الزنا ، وإلّا لَتخلخل تبليغ الرسالة ، وبطلت دعوة الرسول لِتنفّر الناس واستيائهم منه . وبعبارة أخرى ، أنّ آيات الإفك تنفي إثباتاً وثبوتاً قذف حريم رسول الله بالزنا ، سواء كانت عائشة أم مارية . ولا غمز في هذا الموضوع ، كما أنّه ليس دليلًا على منقبة وفضيلة . وأنّ آلاف النساء المسلمات لا يزنين ، وعائشة واحدة منهنّ . بَيدَ أنّ في القرآن الكريم سورة ، وهي سورة التحريم نزلت في ذمّ عائشة وحفصة وانتقادهما ، قال تعالى : إن تَتُوبَا إلَى اللهِ فَقَد صَغَتْ قَلُوبُكُمَا وَإن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإنَّ اللهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجَبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ، عَسَى رَبُّهُ إن طَلَّقَكُنَّ أن يُبْدِلَهُو أزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُوْمِناتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأبْكَارًا . إلى أن بلغ قوله في الآية التي يشبّه فيها عائشة وحفصة بامرأتي النبيّين نوح ولوط اللتين خانتا زوجيهما فقيل لهما ادخلا جهنّم : ضَرَب اللهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأتَ نُوحٍ وَامْرَأتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحِين فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ . وورد في تفاسير العامّة والخاصّة أنّ هذه الآيات نزلت في عائشة وحفصة . وقال الزمخشريّ في تفسير « الكشّاف » ج 2 ، ص 471 ، الطبعة الأولى ، طبعة المطبعة الشرفيّة ، في ذيل الآية : إن تَتُوبَا إلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا : خطاب لحفصة وعائشة على طريقة الالتفات ، ليكون أبلغ في معاتبتهما . وعن ابن عبّاس : لم أزل حريصاً على أن أسأل عمر عنهما حتى حجّ وحججتُ معه . فلمّا كان ببعض الطريق ، عدل وعدلت معه بالإداوة . فسكبتُ الماء على يده ، فتوضّأ . فقلتُ : من هما ؟ فقال : عجباً يا ابن عبّاس - كأنّه كره ما سألتُه عنه - ثمّ قال : هما حفصة ، وعائشة - انتهى .